ماذا نريد من رمضان؟

أظلنا شهر عظيم مبارك كتب الله علينا صيامه لنصل به إلى التقوى: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”. وسأحاول أن أبتعد عن أحاديث رمضان المكررة التي نسمعها كل عام.. فليس أثقل على النفس من الحديث المعاد.

 

في كل عام يطرق علينا الباب هذا الضيف الغالي.. شهر رمضان.. يقضي معنا أياماً معدودات، ويغادرنا إلى عام آخر لا ندري هل نعيش لنلقاه.. وهناك شريحة كبيرة من مجتمعاتنا عندما تسمع طرق باب هذا الضيف تفتح له فتوحات ابتليت بها مجتمعاتنا! وقد أجاد الدكتور أحمد خيري العمري في تشخيص فتوحاتنا لرمضان في كتابه (الذين لم يولدوا بعد)، وأول ما ذكر من تلك الفتوحات فتح الجيوب والمحافظ. نعم إنه التسوق.. فهو شهر ممارسة الاستهلاك استعداداً للموائد الممدودة طولاً وعرضاً بأطيب أنواع الطعام والشراب مما لا نراه إلا في هذا الشهر، ولذلك لا نستغرب ارتفاع أسعار الأطعمة في رمضان، كيف لا وقد ارتفع الطلب وفُتحت الجيوب والمحافظ؟!

 

وبالطبع بعد فتح الجيوب والمحافظ يأتي فتح الأشداق والأفواه.. هجوم كاسح لاحق على الطعام لن يزيد شهوة البطن إلاَّ سيطرة على الصائم. نعم، يصوم المرء ثم يصبح الإفطار بمثابة تحفيز واستثارة لشهوة البطن ومكافأتها بأطيب أنواع الأطعمة وبكميات أكبر! وبذلك يصبح الإفطار تقوية لشهوة البطن لا إضعافاً لها، حيث يستلقي الناس بعده، وقد فقدوا قدرتهم على الحراك. اسمعوا لهذه الحكمة الصينية تقول “كل شخص يستطيع الصوم عن الطعام والشراب، ولكن العقلاء العلماء الحكماء فقط هم الذين يعرفون كيف يفطرون بعد الصيام”، فهل نكون هذا الشهر منهم؟

 

إن الانغماس في التلذذ بأنواع الأطعمة المختلفة في هذا الشهر المبارك لإشباع شهوة البطن إنما هو انعكاس لتمكن الشهوات من نفوسٍ لم تتعود أن تقهر شهوتها حين تصوم. فأين المفطرون كل مغرب بعد صيامهم من تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه”؟

 

ثم بعد فتح الجيوب والمحافظ على الاستهلاك، وبعد فتح الأفواه والبطون على الشره والإكثار، يأتي الفتح الثالث، وهو أن تفتح الأعين على اتساعها أمام ما تبثه القنوات من مسلسلات وبرامج لا تعرض إلا في رمضان! فترتفع كما نعلم أسعار الإعلانات التلفزيونية في رمضان عشرات الأضعاف مما يعكس عدد المشاهدين لكل دقيقة في رمضان، فهل نكون هذا الشهر منهم؟

 

لا.. إنني أدعوكم هذا العام أن تفتحوا شيئاً آخر غير هذه الفتوحات التي اعتاد عليها كثير منا. ابحثوا عن فتوحات من نوع آخر كي يكون رمضان استثنائياً فلا نجعل منه شهرا مرتبطاً بالعادات والتقاليد والطقوس الجماعية. أدعوكم ونفسي أن نغوص في أعماق معنى رمضان وحكمة رمضان.

 

لا نُريد رمضان أن يدخل جيوبنا فيفرغها، وإذا أفرغها فليكن في وجوه الإنفاق والصدقة.

 

لا نُريد رمضان أن يدخل أشداقنا فيملؤها، وإذا ملأها فليكن بالذكر والقرآن وقول الحق.

 

لا نريد رمضان أن يدخل أعيننا فيُمتّعها، وإذا متّعها فليكن بالبكاء من خشية الله ونظر الاعتبار.

 

نريد من رمضان أن يدخل قلوبنا فيحررها.. نعم أن يحررها. نريد أن يكون رمضان شهر ثورة النفس على النفس.. نريد أن يكون شهر التغيير، فرمضان لم يكن يوماً من أجل رمضان، ولكن من أجل ما بعد رمضان.

 

هل سيغيرنا رمضان هذا؟ هل ستغيرنا هذه الأيام المعدودات؟ هل سنكون بعد رمضان كما كنا قبل رمضان؟

 

لو دخل رمضان حقاً قلوبنا لحرَّرها ولما تركنا نعود بعده كما كنا قبله، ففي هذا الشهر الجليل العظيم يتجلى كرم الله بعباده، وتعرض النفحات، وتواتي الفرص، فأبواب الجنة تفتح .. وأبواب جهنم تُغلق.. ومردة الشياطين تسلسل وتصفد.

 

ما الحكمة من كل هذا؟ إنه فضل أكرم الأكرمين وإحسانه.. يريدنا أن تتذوق، فرمضان فرصة وموسم للتذوق.. لا للتسوق.

 

نعم التذوق.. ولكن ليس تذوق أطيب أنواع الطعام من موائد الإفطار، ولكنه تذوق من نوع آخر. يقولون “من ذاق عرف.. ومن عرف اغترف.”

 

إنه تذوق من على مائدة أعدها الله الكريم.. أعدها لنا لنتذوق.. لأننا ربما لم نذق بعد حلاوة هذا الإيمان. ربما أننا لم نتذوق حلاوة أن نكون مع الله.. لم نعلم بعد كم هو رائع حب الله، ولأن الله سبحانه يعلم حاجتك لما يريدك أن تتذوقه في هذا الشهر العظيم، لذلك جعله موسم التنزيلات الهائلة العظيمة.. إنه موسم المغفرة والعتق من النار ومضاعفة الحسنات أضعافاً مضاعفة.

 

فضائل كثيرة تدخل الجنة وتخرج من النار بأقل القليل من العمل. ما الحكمة من كل هذا؟ إنك حين تتذوق سيعجبك الطعم فلن تعود بعد رمضان كما كنت قبله. هذه الحكمة من هذه الأشياء التي يقدمها لنا رمضان لنتذوقها بالصلاة والقيام. إنه بحق شهر الصلاة.. نتذوقها بطريقة عرضية جداً .. استدراج من الله الكريم لك.

 

حتى أصحاب المعاصي الذين لا يواظبون على الصلوات أثناء العام، يواظبون عليها في رمضان، لأنهم يعلمون بالمنطق بما أنهم سيصومون، وبما أن الصيام لن يُقبل بدون الصلاة فإنهم يصلون. نعم يصلون شهراً كاملاً، أي أكثر من 500 ركعة وأكثر من 1000 سجدة.

 

سيعلمنا رمضان كيف تصوم جميع جوارحنا عما يُغضب الله، فمن كان به داء الانفعال والغضب فإن دواءه بتطبيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحداً أو قاتله، فليقل إني صائم”.

وبما أن الغضب مكروه في كل أيام المسلم، ففي تركيز رسول الله على “يوم صوم أحدكم” صورة من صور الإعجاز العلمي، فعلم الطب الحديث يجلي لنا وجها من صور هذا الإعجاز. فعندما نغضب تزداد نسبة إفراز أحد هرمونات الجسم المسمى “بالأدرينالين” عشرات الأضعاف، ومن وظائف هذا الهرمون زيادة وتسارع حرق مخزون الجلايكوجين في الكبد، وهذا المخزون من الجلايكوجين هو الذي يتحول إلى سكر (جلوكوز) في الدم ليمد الجسم بالطاقة اللازمة أثناء الصيام.

 

وفي حالة الغضب أثناء الصيام يحترق مخزون الجلايكوجين سريعاً ليمد الجسم بما يحتاج إليه من طاقة أثناء الشجار والعراك والخصام، وفي هذا استنزاف لطاقة الجسم أثناء الصيام، فيحس الصائم بإنهاك شديد وتعب وإجهاد نتيجة استنزاف طاقته في غير محلها وعدم قدرته تعويضها بالطعام لأنه صائم، وفي هذا تدريب عملي على التحكم في نزوة الغضب.

 

 

 لقراءة المقالة من صحيفة الوطن الرجاء الضغظ على الرابط أدناه :

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=17407